تُعد البسملة من أعظم الأذكار التي يبدأ بها المسلم أعماله، فهي شعار البركة والاستعانة بالله تعالى، وقد ارتبطت بتلاوة القرآن الكريم ارتباطًا وثيقًا. ومع أهمية البسملة، تعددت أقوال العلماء والقراء في بعض أحكامها، خاصة فيما يتعلق بكونها آية من سورة الفاتحة، وأوجه قراءتها بين السور، وحكم الإتيان بها في الصلاة.
في هذا المقال سنتعرف بشكل مبسط ومنظم على أحكام البسملة عند القراء والفقهاء، مع توضيح الفروق بين روايتي حفص وورش، وأهم الأوجه الجائزة والممنوعة في القراءة.

ما المقصود بالبسملة؟
البسملة هي قول:بسم الله الرحمن الرحيم
ويُقصد بها البدء باسم الله تعالى طلبًا للعون والبركة والتوفيق قبل الشروع في أي أمر.
وقد اتفق العلماء على أن البسملة جزء من الآية الواردة في سورة النمل في قوله تعالى:
﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: 30]
هل البسملة آية من سورة الفاتحة؟
من المسائل المشهورة بين العلماء والقراء اختلافهم في عدّ البسملة من آيات سورة الفاتحة.
مذهب القراء الكوفيين والمكيين
يرى القراء الكوفيون والمكيون أن البسملة هي الآية الأولى من سورة الفاتحة، ولذلك نجد في مصحف حفص:
- بسم الله الرحمن الرحيم
- الحمد لله رب العالمين
- الرحمن الرحيم
وبهذا تكون الآية الأخيرة آية واحدة كاملة. :
صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين

مذهب المدنيين والبصريين والشاميين
أما المدنيون والبصريون والشاميون، ومنهم الإمام نافع المدني الذي تُروى عنه رواية ورش، فلا يعدّون البسملة آية من الفاتحة.
لذلك نجد في مصحف ورش:
- الحمد لله رب العالمين
- الرحمن الرحيم
ثم تُقسّم الآيات الأخيرة بحيث تكون:
- صراط الذين أنعمت عليهم آية مستقلة.
- غير المغضوب عليهم ولا الضالين آية مستقلة.
ومع هذا الاختلاف، اتفق الجميع على أن سورة الفاتحة سبع آيات، لقوله تعالى:
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾
حكم البسملة في المذهب المالكي
يرى المالكية أن قراءة البسملة قبل الفاتحة في صلاة الفريضة مكروهة، وذلك بناءً على أنها ليست آية من الفاتحة عندهم, ويستدلون بحديث أنس رضي الله عنه:
"صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم."
لكن هذه الكراهة خاصة بالفرائض، أما في النوافل فلا حرج في قراءتها.
ويظهر هنا الترابط بين رواية ورش والمذهب المالكي، فكلاهما لا يعدّ البسملة آية من الفاتحة.
أوجه البسملة بين السورتين
عند الانتقال من سورة إلى سورة أخرى في التلاوة، توجد أوجه مختلفة لقراءة البسملة.
الأوجه الثلاثة المتفق عليها بين القراء
1- قطع الجميع
ويقصد به:
- الوقف على آخر السورة الأولى.
- الوقف على البسملة.
- ثم البدء بالسورة التالية.
مثال
ولم يكن له كفوًا أحد
بسم الله الرحمن الرحيم
قل أعوذ برب الفلق
2- قطع الأول ووصل الثاني بالثالث
أي:
- الوقف على آخر السورة.
- ثم وصل البسملة بأول السورة التالية.
مثال
ولم يكن له كفوًا
بسم الله الرحمن الرحيم قل أعوذ برب الفلق
3- وصل الجميع
وهو:
- وصل آخر السورة بالبسملة.
- ثم وصل البسملة بأول السورة التالية بنفس واحد.
مثال
ولم يكن له كفوًا أحد بسم الله الرحمن الرحيم قل أعوذ برب الفلق
وفي هذا الوجه يجب مراعاة الأحكام التجويدية والإعرابية أثناء الوصل.
الوجه الممنوع بين السورتين
هناك وجه ممنوع عند جميع القراء، وهو:
- وصل آخر السورة بالبسملة.
- ثم الوقف على البسملة.
- وبعدها البدء بالسورة التالية.
سبب المنع
لأن السامع قد يظن أن البسملة جزء من السورة السابقة، وهذا غير صحيح.

الأوجه الخاصة بالإمام ورش
يمتاز الإمام ورش بوجهين إضافيين بين السورتين بدون بسملة.
1- الوصل بدون بسملة
أي وصل آخر السورة بأول السورة التالية مباشرة.
مثال
ولم يكن له كفوًا أحد قل أعوذ برب الفلق
2- السكت بين السورتين
وهو:
- الوقف وقفًا لطيفًا بدون تنفس.
- ثم البدء بالسورة التالية دون بسملة.
مثال
ولم يكن له كفوًا أحد
قل أعوذ برب الفلق
ويُعد هذا الوجه هو المقدم والمشهور في رواية ورش.
أحكام البسملة بين سورتي الأنفال والتوبة
تتميز سورة التوبة بعدم وجود البسملة في أولها، وقد أجمع القراء على ترك البسملة عند البدء بها.
لماذا لا توجد بسملة في سورة التوبة؟
ذكر العلماء عدة أسباب، منها:
- أن السورة نزلت بإعلان البراءة من المشركين.
- أنها بدأت بآيات شديدة فيها ذكر القتال والغضب الإلهي.
- والبسملة تتضمن الرحمة، فلم يناسب الجمع بينهما في بداية السورة.
لكن الأهم أن نقول:إن سورة التوبة نزلت هكذا، وكل ما أنزله الله ففيه الحكمة
الأوجه الجائزة بين الأنفال والتوبة
1- القطع
الوقف على آخر الأنفال ثم البدء بالتوبة.
2- السكت
سكتة لطيفة دون تنفس بين السورتين.
3- الوصل
وصل آخر الأنفال بأول التوبة مباشرة مع مراعاة أحكام التجويد.
ولا يجوز الإتيان بالبسملة بينهما.
حكم البسملة عند البدء من وسط السورة
إذا بدأ القارئ من وسط أي سورة غير سورة التوبة، فهو مخير بين:
- الإتيان بالبسملة.
- أو تركها.
لكن الإتيان بها أفضل لما فيها من الأجر والبركة.
حكم البسملة من وسط سورة التوبة
اختلف العلماء في ذلك:
القول الأول
منع الإتيان بالبسملة، قياسًا على أول السورة.
القول الثاني
جواز الإتيان بها عند القراءة من وسط السورة,ولذلك يجوز للقارئ:
- أن يبدأ بالاستعاذة فقط.
- أو يأتي بالبسملة ثم يقرأ.
فوائد تعلم أحكام البسملة
تعلم أحكام البسملة يفيد القارئ في:
- تحسين التلاوة وإتقان الأداء.
- معرفة الفروق بين الروايات القرآنية.
- فهم ارتباط علم القراءات بالفقه.
- تجنب الأخطاء الشائعة أثناء القراءة.
تُظهر أحكام البسملة دقة علم القراءات وعناية العلماء بنقل القرآن الكريم كما أُنزل على النبي صلى الله عليه وسلم. كما تكشف هذه الأحكام عن جمال التنوع بين الروايات دون تعارض أو تناقض.
وفهم هذه المسائل يساعد قارئ القرآن على التلاوة الصحيحة، ويمنحه معرفة أعمق بأسرار هذا العلم العظيم.
إذا استفدت من هذا المقال، فلا تنس مشاركته مع المهتمين بعلم التجويد والقراءات، وترك تعليقك حول أكثر مسألة لفتت انتباهك.
