02 | فقه الصيام: كيف يثبت دخول رمضان؟ (شرح أحاديث بلوغ المرام)

الدرس الثاني: شرح أحاديث الصيام من متن بلوغ المرام

أهلاً ومرحباً بكم مجدداً، في حلقتنا الثانية من سلسلة (مدارسة فقه الصيام). بعد أن مهدنا الطريق في لقائنا الأول بضبط المصطلحات وفهم القواعد الكلية، ننتقل اليوم إلى الجانب التطبيقي والعملي؛ حيث نستقي الأحكام من نبع السنة النبوية المطهرة عبر متن «بلوغ المرام من أدلة الأحكام» للحافظ ابن حجر العسقلاني.

إن دراسة الفقه من خلال الحديث النبوي تمنحنا طمأنينة ويقيناً؛ فنحن لا نقف على الحكم الفقهي مجرداً، بل نربطه بدليله الشرعي، ليكون صيامنا اتباعاً حقيقياً لهدي المصطفى ﷺ، وتحقيقاً لقوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ}. فاستعينوا بالله لنبحر في شرح الأحاديث المتعلقة برؤية الهلال، ويوم الشك، وأحكام النية.”

الأحاديث المتعلقة ببدء شهر رمضان (رؤية الهلال)

الحديث الأول: النهي عن تقدم رمضان بصوم

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلا يَوْمَيْنِ، إِلا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ» (متفق عليه).

استنبط العلماء من هذا الحديث حرمة تقديم رمضان بالصيام يوم أو يومين، أي لا يجوز أن نصوم قبل رمضان بيوم أو يومين لقول الرسول ﷺ “لا تقدموا”، وهذا هو قول الجمهور، وذهب بعض العلماء إلى أن النهي للكراهة.

وجاء في الحديث استثناء من هذا التحريم في حالتين:

  1. الحالة الأولى: من اعتاد الصيام في أيام معلومة، مثل الذي يصوم الإثنين والخميس، أو من هو معتاد بصيام طول السنة (يوماً نعم ويوماً لا) فصادف اليوم الذي هو صائم فيه آخر شعبان.
  2. الحالة الثانية: صيام الواجب، سواء كان نذراً أو قضاءً أو كفارة؛ فالصيام الواجب يستثنى من هذا الحديث. مثال: امرأة لديها أيام قضاء من رمضان السابق، فيجوز لها القضاء في آخر يوم من شعبان أو الأيام العشرة الأخيرة منه ولا حرج في ذلك.

الحديث الثاني: حكم صيام يوم الشك

وعن عمار بن ياسر رضي الله عنه قال: «مَنْ صَامَ اليَومَ الذي يُشَكُّ فيهِ فَقَدْ عَصَى أَبَا القَاسِمِ ﷺ» (ذكره البخاري تعليقاً ووصله الخمسة وصححه ابن خزيمة وابن حبان).

المقصود في الحديث بـ “يوم الشك” هو يوم 30 من شعبان، أي احتمال أنه 30 شعبان أو أول رمضان، كيوم فيه الغيم أو الغبار ولم يُرَ فيه الهلال. أما إن رُؤي الهلال فلا يوجد شك.

  • الحكم: يحرم صيام هذا اليوم (يوم الشك) لمن يصومه “احتياطاً”، وهذا منهي عنه. وهذا يدل على أن أحكام الشريعة مبنية على اليقين، ويدل كذلك على أنه لا غلو في الشريعة، فما دام أن شهر رمضان لم يثبت دخوله يقيناً فلا نغلو في زيادة في صيامه، قال سبحانه: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ}، وقال ﷺ: «إياكم والغلو».
  • كما لا يصام يوم الشك لأن فيه عصياناً للنبي ﷺ (والمقصود بأبي القاسم هنا هو محمد ﷺ وهي كنيته).
  • تنبيه: التحريم هو لصيامه بنية الاحتياط لرمضان، أما من كان يصوم صوماً معتاداً أو نذراً أو كفارة أو قضاءً فيجوز كما في الحديث السابق.

الحديث الثالث: ثبوت الشهر بالرؤية أو إكمال العدة

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ» (متفق عليه). ولمسلم: «فإن أُغمي عليكم فاقدروا له ثلاثين». وللبخاري: «فأكملوا العدة ثلاثين». وله في حديث أبي هريرة: «فأكملوا عدة شعبان ثلاثين».

المقصود: إذا رأيتم هلال رمضان فصوموا، وإذا رأيتم هلال شوال فأفطروا. و”إن غُم عليكم” أي حال بينكم وبينه غيم أو غبار، فاقدروا له أي أكملوا العدة؛ إن كان شعبان يكمل 30 وإن كان رمضان يكمل 30.

  • الفائدة: صوم رمضان يجب بامرين: أولاً رؤية الهلال، ثانياً إكمال العدة 30 يوماً إذا لم يُرَ الهلال.

مسألة: هل يجوز استعمال المراصد الفلكية؟ الراجح نعم يجوز في زماننا لأنها تعتبر رؤية. ويوجد فرق بين “المراصد” و”الحسابات”:

  • المراصد الفلكية: منشآت مجهزة بالتلسكوبات لرصد الأجرام وتعتمد على المشاهدة البصرية بأجهزة حديثة.
  • الحسابات الفلكية: عمليات رياضية ومعادلات للتنبؤ بمواقع الأهلة والكسوف بناءً على حركات الشمس والقمر.

الحديث الرابع: شهادة الواحد في رؤية الهلال

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «تَرَاءَى النَّاسُ الْهِلَالَ، فَأَخْبَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنِّي رَأَيْتُهُ، فَصَامَ وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ» (رواه أبو داود وصححه ابن حبان والحاكم).

المقصود بـ “تراءى الناس” أي اجتمعوا مساءً وحاولوا رؤيته. استنبط العلماء أن لثبوت رمضان يكفي رؤية شخص واحد (وهو هنا ابن عمر). أما ثبوت هلال شوال فيلزم رجلين عدلين.

  • قول السادة المالكية: قالوا لثبوت رمضان يجب شهادة عدلين، لاعتبارهم أن شهادة الاثنين أبلغ في التثبت من شهادة الواحد، وكذلك في شوال (وهو قول الجمهور أيضاً).
  • يتبين لنا استحباب أن يتراءى الناس الهلال، وهذه سنة مهجورة، وعباداتنا كمسلمين متعلقة بالأهلة في الصيام والإفطار والحج.

الحديث الخامس: شهادة الأعرابي وشروط الرائي

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: «أن أعرابياً جاء إلى النبي ﷺ فقال: إني رأيت الهلال، فقال: أتشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: نعم، قال: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم، قال: فأذن في الناس يا بلال أن يصوموا غداً» (رواه الخمسة).

المقصود بـ “فأذن في الناس” أي أعلمهم وأخبرهم. في هذا الحديث تأكد النبي ﷺ من صفات الأعرابي (الإسلام والعدالة).

  • شروط رائي الهلال: 1- الإسلام. 2- التكليف (بالغ عاقل). 3- العدالة (صادق غير فاسق).

مسألة النوازل واختلاف المطالع

النوازل هي مستجدات العصر التي تحتاج حكماً شرعياً، وتوجد في:

  • العبادات: كالصلاة في الطائرة، متابعة الإمام عبر الشاشة، استخدام بخاخ الربو في الصيام، والرموش وطلاء الأظافر في الطهارة.
  • الطب: نقل الأعضاء وأطفال الأنابيب.

بخصوص رؤية الهلال في بلد، هل يلزم الجميع؟ هذه من مسائل الاجتهاد:

  1. قول الجمهور (ومنهم المالكية): رؤية بلد واحد هي رؤية لجميع البلاد.
  2. قول باعتبار اختلاف المطالع أو الأقاليم.
  3. قول باتباع ولي الأمر.
  • المذهب المالكي: إذا رُؤي الهلال في قُطر عَمَّ الصوم أو الفطر سائر البلاد قريبة أو بعيدة (إلا البعيد جداً كخراسان والأندلس) بشرط النقل بشهادة عدلين أو جماعة مستفيضة. والمعمول به الآن أن الناس تابعون لإمام بلدهم (المغرب تصوم لرؤيتها).

أحكام النية في الصيام

الحديث السادس: تبييت النية في الفرض

عن حفصة أم المؤمنين رضي عنها عن النبي ﷺ قال: «مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ قَبْلَ الفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ» (رواه الخمسة). وفي رواية للدارقطني: «لا صيام لمن لم يفرضه من الليل». أي من لم يعزم ولم ينوِ الصيام في الليل (ما بين الغروب إلى قبل الفجر).
  • نية رمضان: عند السادة المالكية تكفي نية واحدة في أول ليلة لجميع الشهر لأنه عبادة واحدة متصلة، ويجب تجديدها فقط إذا انقطع الصوم لعذر (حيض، سفر، مرض).

الحديث السابع: النية في صيام النافلة

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «دخل علي النبي ﷺ ذات يوم فقال: هل عندكم شيء؟ قلنا: لا، قال: فإني إذاً صائم.. ثم أتانا يوماً آخر فقلنا: أُهدي لنا حَيْس، فقال: أرينيه فلقد أصبحت صائماً فأكل» (رواه مسلم). (الحيس: تمر وسمن ولبن مجفف).
  • الجمهور: لا يجب تبييت النية في النافلة بشرط عدم تناول مفطر قبلها.
  • المالكية: اشترطوا تبييت النية في الفرض والنفل على حد سواء لعموم حديث حفصة: «من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له»، وقالوا اللفظ عام يشمل الفرض والتطوع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top