
تعد الاستعاذة هي الباب الذي يلجه القارئ قبل الدخول إلى مأدبة الله (القرآن الكريم)، وهي الحصن الحصين الذي يلوذ به العبد ليطهر فؤاده ولسانه قبل التلفظ بكلام رب العالمين. في هذا المقال، سنأخد أحكام الاستعاذة و أوجهها ، ونكشف عن فروق لغوية دقيقة قد يغفل عنها الكثيرون.
أولاً: الاستعاذة
- في اللغة: هي الالتجاء، والاعتصام، والتحصن بالشيء.
- في الاصطلاح: هي لفظ مخصوص يحصل به الالتجاء إلى الله سبحانه، والاعتصام به من شر الشيطان الرجيم.
توضيح: الاستعاذة ليست جزءاً من القرآن الكريم بإجماع العلماء، ولفظها لفظ “الخبر” (أي إخبار عن فعل القارئ) لكن معناها “الإنشاء”؛ وكأن القارئ يقول: “اللهم أعدني من الشيطان الرجيم”.
و هي عبادة لا تصرف إلا لله العلي العظيم، كما جاء عن الإمام ابن تيمية رحمه الله استشهاداً بهدي النبي ﷺ في قوله: “أعوذ بوجهك”، و “أعوذ بكلمات الله التامات”، وهذا أمر أجمع عليه علماء الأمة.
ثانياً: تنبيه لغوي
يجب على القارئ الفطن أن ينتبه لنطق “الذال المعجمة” (التي فوقها نقطة) في كلمة “أعوذ”، وتجنب نطقها “دالاً مهملة”. وهذا من اللحن الذي قد يغير المعنى تماماً:
- أعوذ (بالذال): معناها ألوذُ وأستجيرُ وأحتمي بالله.
- أعود (بالدال): معناها أرجعُ أو أزورُ.
لذا، فإن إهمال نقطة الذال يغير المراد من الاستجارة إلى الرجوع، وهو لحن قد يبطل الصلاة إذا تُعمد تركه مع العلم بفساد المعنى.
ثالثاً: صيغتها وحكمها الشرعي
1. الصيغة المختارة:
(أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)؛ وهي الصيغة المشهورة والمختارة عند الأئمة العشرة دون غيرها،
لقوله تعالى:
فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ
(سورة النحل).
2. صيغ جائزة أخرى:
- صيغ بالزيادة: مثل “أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم”، أو “أعوذ بالله العظيم من الشيطان الرجيم “.
- صيغة بالنقصان: وهي صيغة واحدة “أعوذ بالله من الشيطان”.
3. حكمها:
اختلف العلماء في حكمها على قولين:
- الجمهور (أكثر العلماء): ذهبوا إلى أنها مندوبة (مستحبة)، ولا يأثم القارئ بتركها.
- غير الجمهور: ذهبوا إلى الوجوب عند البدء بالقراءة، ويأثم تاركها.
- الراجح: هو مذهب الجمهور (الاستحباب).
رابعاً: حالات الجهر والإسرار بالاستعاذة
للاستعاذة حالتان اثنتان حالة يجهر بها , و حالة يسر بها, حسب المواطن التالية:
1. مواطن الجهر :
يستحبُّ للقارئ الجهر بها:
- عند افتتاح القراءة في المحافل العامة والمناسبات.
- إذا كان القارئ وسط جماعة يتدارسون القرآن وكان هو “المبتدئ” بالقراءة.
2. مواطن الإسرار :
يستحبُّ للقارئ الإسرارُ بها:
- في الصلاة (سواء كان إماماً أو مأموماً أو منفرداً)، وخاصة في الصلاة الجهرية.
- إذا كان القارئ يقرأ منفرداً (سواء قرأ بسره أو جهره).
- إذا كان يقرأ مع جماعة ولم يكن هو المبتدئ بالقراءة.
خامساً: الأوجه عند البدء بأوائل السور
إذا اقترنت الاستعاذة بالبسمله عند البدء بأول السورة (عدا سورة براءة)، فللقارئ أربعة أوجه جائزة، يُفضل الالتزام بواحد منها طوال الختمة:
- قطع الجميع: الوقف عليها، ثم الوقف على البسملة، ثم البدء بالسورة.
- قطع الأول ووصل الثاني بالثالث: الوقف عليها، ووصل البسملة بأول السورة.
- وصل الأول بالثاني وقطع الثالث: وصل الاستعاذة بالبسملة، والوقف عليها، ثم البدء بالسورة.
- وصل الجميع: وصل الاستعاذة بالبسملة بأول السورة جملة واحدة مع مراعاة الحركات الإعرابية.
سادسا: أوجه الاستعاذة بالنسبة لسورة التوبة (براءة).
سورة التوبة نزلت بلا بسملة، لذلك للقارئ فيها وجهان فقط عند البدء بها:
- القطع: الوقف على الاستعاذة ثم الابتداء بأول السورة من غير بسملة .
- الوصل: وصل الاستعاذة بأول السورة مباشرة في نَفَس واحد.
سابعا: الاستعاذة في وسط السور.
عند بدأ القراءة من وسط السورة أو من أي جزء من أجزائها، القارئ مخير بين حالتين:
- الإتيان بالاستعاذة مع البسملة: وهنا نطبق الأوجه الأربعة المذكورة أعلاه.
- ترك البسملة: وهنا لنا وجهان فقط (القطع أو الوصل) بين الاستعاذة والآية المبتدأ بها بدون بسملة.
تنبيه:
إذا كان الجزء الذي ستبدأ به القراءة متعلقاً بلفظ الجلالة، أو بذكر أحد الرسل أو الصالحين، يُكره وصل الاستعاذة بالمقطع مباشرة؛ لما فيه من سوء معنى (مثل: “الشيطان الرجيم الله لا إله إلا هو”). الأولى هنا: الوقف على الاستعاذة ثم البدء بالآية، أو الفصل بينهما بالبسملة.
وفي ختام تدارسنا لهذا الباب العظيم، ندرك أن نستعيد بالله من الشيطان الرجيم ليست مجرد كلمات نرددها، بل هي إعلان افتقار لله وتبرؤ من حولنا وقوتنا. فالمؤمن الحريص هو من يطهر لسانه بالالتجاء، والاعتصام، قبل أن يتلو كلام ربه، ليكون قلبه حاضراً وفهمه صافياً. نسأل الله العظيم أن يجعل القرآن ربيع قلوبنا، وأن يعيذنا من همزات الشياطين، ويوفقنا لما يحبه ويرضاه من القول والعمل.

سبحان الله وبحمده بارك الله لك شرح مبسّط ومفهوم