
يُعد كتاب الأربعين النووية للإمام النووي رحمه الله من أشهر كتب الحديث النبوي وأكثرها انتشارًا بين طلاب العلم والمسلمين عامة، لما اشتمل عليه من أحاديث عظيمة تُعد من جوامع كلم النبي صلى الله عليه وسلم، وتتناول أصول الدين وقواعد الإسلام وآداب المسلم في مختلف جوانب حياته.
وقد حظيت الأربعون النووية بمكانة خاصة بين العلماء عبر القرون، فاعتنوا بها شرحًا وتدريسًا وحفظًا، حتى أصبحت من أوائل المتون التي يبدأ بها طالب العلم في دراسة السنة النبوية. كما أضاف الحافظ ابن رجب رحمه الله ثمانية أحاديث أخرى إلى متن الإمام النووي، فصارت خمسين حديثًا جامعة لأهم مسائل العقيدة والعبادة والأخلاق والمعاملات.
وفي هذا المقال نتعرف على أهمية كتاب الأربعين النووية، وأسباب اختياره من بين كتب الحديث، كما نسلط الضوء على سيرة الإمام النووي والحافظ ابن رجب رحمهما الله، وجهودهما المباركة في خدمة السنة النبوية ونشر العلم الشرعي بين المسلمين.
لماذا اخترنا هذا الكتاب؟
ولعل سائلًا يسأل: لماذا هذا الكتاب تحديدًا؟ ولماذا سنتدارس ونشرح ونعيش مع هذا الكتاب المبارك؟
أولًا: مكانة مؤلف الكتاب
لأن مؤلف هذا الكتاب، الإمام النووي رحمه الله، من العلماء الربانيين المربين الذين كتب الله عز وجل لهم القبول في الأرض لدى الناس، عامتهم وخاصتهم.
وخير دليل على ذلك كتابه رياض الصالحين الذي يُقرأ في كل مجلس، ويُقرأ في كل بيت مسلم، وينتفع الناس به انتفاعًا عظيمًا.
ثانيًا: اشتماله على جوامع كلم النبي صلى الله عليه وسلم
لأن هذا الكتاب يشتمل على جوامع كلم النبي صلى الله عليه وسلم، حتى إن مؤلفه رحمه الله قال عن أحاديثه: “كل حديث منها قاعدة عظيمة من قواعد الدين.”
وقد وصفه العلماء بأن مدار الإسلام عليه، أو أنه نصف الإسلام، أو ثلثه.
وقد بيَّن الإمام النووي أهمية هذا الكتاب قائلًا: “وينبغي لكل راغب في الآخرة أن يعرف هذه الأحاديث؛ لما اشتملت عليه من المهمات، واحتوت عليه من التنبيه على جميع الطاعات، وذلك ظاهر لمن تدبره.”
ثالثًا: سهولة الكتاب وعظم فائدته
لأنه كتاب يسير الفهم، كثير العلم، صغير الحجم، يسهل حفظه ومدارسته ومذاكرته.
رابعًا: صحة أحاديثه
لأن أحاديث هذا الكتاب صحيحة ومقبولة، فقد بيَّن المؤلف منهجه قائلًا: “ثم التزمت في هذه الأربعين أن تكون صحيحة.”
ومعظمها في صحيحي البخاري ومسلم.
ورغم وجود أحاديث يسيرة جدًا تكلم أهل العلم في أسانيدها، إلا أنها في مجملها معتبرة ومقبولة عند أهل العلم، ومتلقاة بالقبول.
خامسًا: عناية العلماء به عبر العصور
لأن هذا الكتاب حظي بعناية العلماء والأعلام والمربين عبر العصور، فقد اعتنوا به شرحًا وتعليقًا من جوانب متعددة، ولا يزال أهل الاختصاص إلى يومنا هذا ينهلون من معينه.
لماذا ندرس خمسين حديثًا وليس أربعين؟
قد تتساءلون: الكتاب اسمه الأربعين النووية، لكننا أعلنّا أن دورتنا ستكون في خمسين حديثًا، فمن أين جاءت البقية؟
بين أيدينا متن عظيم اشتهر باسم الأربعين النووية، وضعه الإمام النووي رحمه الله، وجمع فيه اثنين وأربعين حديثًا، اشترط فيها أن تكون أحاديث عليها مدار الدين وأصوله.
ولما جاء الحافظ ابن رجب رحمه الله استدرك على هذا المتن ثمانية أحاديث، لتكتمل بزيادته خمسين حديثًا شاملة لأمور الدين.
التعريف بالإمام النووي رحمه الله
وبعد أن عرفنا فضل هذا الكتاب وأهميته، حق علينا من باب الوفاء لأهل الفضل أن نتعرف على العلمين الجليلين اللذين جمعا لنا هذا الخير.

اسمه ونسبه
هو: يحيى بن شرف بن مُرِّي بن حسن بن حسين بن محمد بن جمعة بن حزام الحزامي النووي.
والنووي نسبة إلى نَوَى، وهي مدينة جنوب دمشق تبعد عنها نحو تسعين كيلومترًا.
وكان يُكنى بـ أبي زكريا، رغم أنه لم يُرزق بولد، ولم يتزوج قط.
ولُقب بـ محيي الدين، وهو لقب كان يكرهه ويتورع عنه، قائلًا: “أجعل في حلٍّ من لقبني محيي الدين.”
مولده ونشأته
أشرقت شمس هذا الإمام بولادته في مدينة نَوَى، في شهر محرم سنة 631 هـ.
وقد بدت عليه أمارات النبوغ ومحبة العلم منذ صغره.
إذ يروي شيخه ياسين المراكشي مشهدًا عجيبًا له وهو ابن عشر سنين، حين كان الصبيان يكرهونه على اللعب، فيهرب منهم باكيًا ليخلو بكتاب الله يقرؤه، مما أوقع محبته في قلب شيخه المراكشي.
همته العالية في طلب العلم
وعن همته العالية يخبرنا النووي عن نفسه قائلًا: “لما كان عمري تسع عشرة سنة، قدم بي والدي إلى دمشق سنة تسع وأربعين وستمائة، فسكنت المدرسة الرواحية، وبقيت نحو سنتين لم أضع جنبي إلى الأرض، وكان قوتي فيها جراية المدرسة لا غير.”
وقال أيضًا: “حفظت كتاب التنبيه في نحو أربعة أشهر ونصف، وحفظت ربع العبادات من المهذب في باقي السنة.”
وقال كذلك: “كنت أقرأ كل يوم اثني عشر درسًا على المشايخ شرحًا وتصحيحًا.”
وقال تلميذه ابن العطار: “وذكر لي رحمه الله أنه كان لا يضيع له وقت في ليل ولا نهار إلا في وظيفة من الاشتغال بالعلم، حتى في ذهابه في الطرق ومجيئه، يشتغل في تكرار محفوظاته أو مطالعة، وأنه بقي على التحصيل على هذا الوجه نحو ست سنين، ثم اشتغل بالتصنيف والإفادة والمناصحة للمسلمين وولاتهم.”
شيوخه
كان عصره رحمه الله حافلًا بجهابذة العلماء في شتى الفنون.
ومن شيوخه:
- إسحاق بن أحمد بن عثمان أبو إبراهيم المغربي ثم المقدسي الشافعي.
- عبد الرحمن بن نوح بن محمد أبو محمد المقدسي ثم الدمشقي الشافعي.
- خالد بن يوسف بن سعد.
- أحمد بن سالم أبو العباس المصري الحنفي النحوي.
- إبراهيم بن عيسى أبو إسحاق المرادي الأندلسي الشافعي.
- سلار بن الحسن.
- عمر بن بندر بن عمر بن علي بن محمد.
- عمر بن أسعد بن أبي غالب.
- عبد الرحمن بن أبي عمر محمد بن أحمد بن قدامة أبو الفرج المقدسي الحنبلي.
تلاميذه
ولي النووي مشيخة دار الحديث الأشرفية، وباشر التدريس في أكثر من مدرسة، فكثر تلاميذه.
ومنهم:
- أحمد بن محمد بن عباس بن جعوان.
- أحمد بن فرح.
- إسماعيل بن عثمان بن عبد الكريم بن تمام.
- علي بن إبراهيم بن داود.
- سليمان بن هلال بن شبل بن فلاح.
أعماله ومناصبه
تبوأ الإمام النووي منزلة رفيعة في العلم.
فقد باشر التدريس في المدرسة الإقبالية والمدرسة الفلكية وغيرهما، وولي مشيخة دار الحديث الأشرفية سنة 665 هـ إلى أن توفي.
مؤلفاته
بورك له في عمره وفي مؤلفاته ، حتى قيل:لو قسمت مؤلفاته على سن عمره لكان نصيب كل يوم كراستين.
ومن أشهر مؤلفاته:
- التبيان في آداب حملة القرآن.
- المنهاج في شرح صحيح مسلم.
- رياض الصالحين.
- الأذكار.
- الأربعون في مباني الإسلام وقواعد الأحكام.
- الروضة في مختصر شرح الرافعي.
- المجموع شرح المهذب.
- التحرير في ألفاظ التنبيه.
- بستان العارفين.
- تهذيب الأسماء واللغات.
وفاته
بعد حياة عامرة بالعلم والتعليم، توفي رحمه الله ليلة الأربعاء في الثلث الأخير من الليل، ليلة الرابع والعشرين من رجب سنة 676 هـ بنَوَى، عن خمس وأربعين سنة.
قال الحافظ الذهبي رحمه الله:
“وقد رثاه غير واحد يبلغون عشرين نفسًا بأكثر من ستمائة بيت.”رحم الله الإمام النووي.
التعريف بالحافظ ابن رجب رحمه الله

اسمه ونسبه
هو: عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الرحمن بن الحسن بن محمد بن أبي البركات مسعود البغدادي ثم الدمشقي الحنبلي.
يكنى بـ أبي الفرج، ويلقب بـ زين الدين وجمال الدين.
واشتهر بين الناس باسم ابن رجب.
مولده ونشأته
أبصر النور في بغداد في شهر ربيع الأول سنة 736 هـ.
ونشأ في بيت يعمره العلم والدين.
فجده عبد الرحمن المعروف برجب كان محدثًا، ووالده ولد ونشأ ببغداد، وقرأ القرآن بالروايات، وسمع من المشايخ، ثم جلس للإقراء بدمشق، وعرف بالخير والديانة والعفة.
قدم ابن رجب مع والده إلى دمشق وهو طفل صغير سنة 744 هـ، فسمع من خلق كثير، واعتنى والده برحلته في طلب الحديث.
وكانت مجالس تذكيره للقلوب صادعة، وللناس عامة مباركة نافعة.
ومالت القلوب بالمحبة إليه.
وكان لا يعرف شيئًا من أمور الناس، ولا يتردد إلى أحد من ذوي الولايات، وكان فقيرًا متعففًا، غني النفس، صاحب عبادة وتهجد.
شيوخه
أخذ رحمه الله عن جماعة كثيرة في شتى الفنون.
ومن شيوخه:
- شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزرعي، أبو عبد الله ابن قيم الجوزية.
- صدر الدين محمد بن محمد بن إبراهيم.
- محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الدمشقي المعروف بابن الخباز.
- شيخ الإسلام علاء الدين خليل بن كيكلدي.
- شرف الدين أحمد بن الحسن بن عبد الله المشهور بابن قاضي الجبل.
مؤلفاته
صنف ابن رجب رحمه الله كتبًا كثيرة قارب عددها خمسين كتابًا,ومن أشهر مؤلفاته:
- شرح جامع الترمذي.
- فتح الباري شرح صحيح البخاري.
- جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثًا من جوامع الكلم.
- تقرير القواعد وتحرير الفوائد.
- لطائف المعارف فيما للمواسم من الوظائف.
- ذيل طبقات الحنابلة.
- كشف الكربة في وصف حال أهل الغربة.
- أهوال القبور.
- الذل والانكسار للعزيز الغفار.
- استنشاق نسيم الأنس من نفحات رياض القدس.
- شرح حديث: احفظ الله يحفظك.
- نزهة الأسماع في مسألة السماع.
وفاته
توفي رحمه الله ليلة الاثنين الرابع من شهر رمضان سنة 795 هـ بدمشق.
ومن أعجب ما يروى في سيرته وحسن خاتمته أنه قبل وفاته بأيام ذهب إلى حفار القبور، وأشار إلى بقعة معينة وقال له:”احفر لي ها هنا لحدًا.”
فلما فرغ الحفار نزل ابن رجب في القبر واضطجع فيه ليرى مقاسه، فأعجبه وقال: “هذا جيد.”ثم خرج، وما هي إلا أيام يسيرة حتى توفي رحمه الله، وجيء به محمولًا في نعشه ليدفن في ذات اللحد الذي اختاره.
رحم الله أئمتنا، وجزاهم عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
وصية ختامية
إلى هنا نكون قد وصلنا إلى نهاية حلقتنا اليوم.
وأوصيكم، كما أوصي نفسي، أن نولي اهتمامنا الأكبر في هذه الدورة للجانب التربوي؛ ليكون زادًا يستفيد منه الأب والأم والمربي وطالب العلم.
ومن هنا أدعو الآباء والأمهات إلى أن يشجعوا أبناءهم على الاهتمام بهذه الأحاديث المباركة فهمًا وعملًا وسلوكًا وحفظًا.
أسأل الله عز وجل أن يعلمنا ما ينفعنا، وينفعنا بما علمنا.
